Posts Tagged ‘نزار قباني’

هِنّ علموني

أبريل 3, 2019

في أحد أسواق مدينة الخبر وهي مدينة أخرى عرفتها كامرأة وأحببتها كامرأة وعرفت حكاية كل إنش مربع فيها. فهي الأقرب للجامعة وكانت الحالة الأسهل والأمثل للدراسة وتطبيق نظريات العمارة والتخطيط الحضري.

مدينة مُسرفة في أناقتها. لن تجد على ساحل الخليج مدينة أكثر شبهاً بأسأكل المتوسط منها. هي العمق المحلي لما هو داخل أسوار أرامكو من حياة لا تمت لطبيعة المنطقة بِصلة، حياة الخواجات وأسرة أرامكو الحاكمة.

في أحد أسواقها المُغطاة والمُكيفة والتي يأتيها زوجات وأسر موظفي أرامكو على مدار الساعة وأمام الزاوية المليئة بالمجلات لمحت غلافاً لمجلة.

على الغلاف صورة لرجل بملامح برجوازية وعينين مريحتين، وجهه ممتلئ ومُرتخٍ كأنه في حضرة قبر. وبالخط الأحمر عبارة من ضمنها ( الحزب الشيوعي اللبناني )

وفوق العبارة : جورج حاوي.

طبعاً سحبت المجلة( سحبت مش اشتريت ) وأخذتها لغرفتي في سكن الجامعة، أذكر أن أغلب الحوار كان نقداً سياسياً حادّاً وجادّاً لوليد جنبلاط بسبب تصريحٍ له عن عدم جاهزية لبنان لنظام ديمقراطي لأن الديمقراطية تحتاج لمن يحميها بينما لبنان ضعيف.

الغريب إني أُعجبت بكلام البيك بينما علقت صورة جورج حاوي بجانب مارسيل خليفة ومارادونا على جدار الغرفة.

تسبب إنطباعي أن بين الرجلين عداءاً خلفته الحرب الأهلية ببعض اللبس فيما بعد. ولأنه أنطباع أول بقي موازياً لحقيقة أنهما كانا حليفين حتى النهاية. لكن لم يدم هذا اللبس طويلاً. ولم يكن كغابة الالتباسات التي تصادفك في كل صفحة تقرأها عن تلك الفترة من تاريخ لبنان.

فالنظرة السائدة و المتبقية من طبيعة ما حدث في الحرب الأهلية أن الصراع دينيٌ صرف وأن عليك أن تتعاطف دائماً مع فريق خاض الحرب من أجل الإسلام والمسلمين. وهو ما لا ينسجم أبداً مع صورة لزعيم شيوعي عُلقت على جدار غرفة واسمه جورج.

كانت نزعة المخالفة والتمرد على المُتفق عليه هي لعبتي المُفضلة وليس للاقتناع أو المعرفة بالتفاصيل أي دور في ذلك ، كل مايحتاجه الأمر بعض الادعاء والتظاهر.

حدث ذلك حتى مع فيروز التي كانت تميمة المثقفين وقلادتهم المُفضلة حين قررت التشبُّه بهم.

طبيعة أن الصراع كان دينياً صِرفاً، هي ما بُني عليه كل فهم عندي أو انطباع عن حرب لبنان ولوقتٍ ليس قصير.

لم يذكر الدكتور خالد العصفور ذلك أو يشير إليه بطبيعة الحال أو يتبناه، لا أبداً ، أبداً .

لكن جملته التي شرّعت أمامي الطريق لكل هذا الشغف ببيروت كانت مبنيه على فكرة التقسيم الديني أو الطائفي للمدينة. صحيح أن مثاله كان عمرانياً على التغيرات الحضرية والديموغرافية للمدن، لكن لا سبيل لفهم آخر حين يقترن ذلك التقسيم بلفظ “مسلم ” أو “مسيحي ”

وسأعرف بعد زمن أن الدكتور خالد، ذلك الشاب الذكي والمجتهد في منهجه البحثي لم يكن مُلماً كفايةً بحرب لبنان وطبيعة الصراع فيها. عرفت ذلك من خلال المرات التي نجحت في استدراجه للحديث عن لبنان وحربه الأهلية فتبين لي أن معظم ما كان يظنه مُلتبساً أو غير صحيح.

بعد الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢ أخذ الاهتمام بحرب لبنان الأهلية شكلاً آخر في دول الخليج بما في ذلك نشرات الأخبار وبما في ذلك أيضاً التعاطف الشعبي العام في البيت وفي المدرسة وكان يذكيه وجود أعداد لا بأس بها من الفلسطينيين في مجال التعليم حتى وصل هذا التعاطف ذروته بعد مجزرة صبرا وشاتيلا الرهيبة والتي اقتحمت كل بيت. لم تكن الكلمة مفهومة كما هي. لكن كل هذا البؤس في الوجوه ولِما كان يتبعها من كلمات مثل دم وقتل وإسرائيل أظنني تخيلتها القيامة في وقت لم أكن أعلم ما تعنيه كلمة مجزرة.

بقيت أخبار الحرب الأهلية تتردد طوال فترة الدراسة دون أن تلفت انتباهي طبعاً، رأيت وسمعت نزاع بالألفاظ والشتائم بين اثنين من الفلسطينيين في الثانوية كان أحدهما معتوه ، يخفي دائماً تي شيرت أبيض تحت قميصه مكتوب عليه “فتح” وكثيراً ماكان يأتي أمامي ليشتم نبيه بري، كان اسمه أيمن كان أيمن معتوه. لكن لا بد وأن فضولاً قد انتابني ولو قليلاً لأعرف هذه الأسماء التي كان يرددها في حديثه، ولم يصمد ذلك الفضول لدقائق على ما أعتقد.

( لن أفهم سبب ما كان يفعله معي إلا بعد وقت طويل جداً )

بعد أن شهدت ذلك النزاع الفلسطيني الفلسطيني الصغير بسنوات قليلة كنت في بيروت للمرة الأولى.

كانت كاسيتات مارسيل خليفة تصلنا مع المهربة لأحمد مطر ومظفر النواب و نزار قباني، ودرويش، من الكويت.

كانت هذه الكاسيتات رغم قلتها هي كل وقتي وشغفي ومتعتي. معهم الأعمال الشعرية الكاملة لنزار قباني. كل هذا كان يمزجه صوت فيروز ليحوله إلى مزاج يملأ العمر. الحق أن فيروز والرحابنة ما ابتدعوا وطن. خلقوا مزاج

صوت فيروز مسرح كبير بالإمكان ألا تغادره أبداً. أن تبقى فيه قدر ما تريد ومع من تريد. بالنسبة لي هذا ما حدث..

معلومة عابرة من استاذ في الجامعة ، شاعر سكّير هارب من حكم إعدام إلى حكم مُعدم، وآخر ثوري أنيق “بوجهٍ كالح وصوتٍ متهدج أكل منه فيروس الزكام ما أبقاه فيروس النظام” واثنان في واحد أحدهما على الأقل لم أعرفه أبداً دون موسيقى، لم أره مطلقاً إلا بوجه مارسيل خليفة الأسطوري.

وكأن ما كان ينقصني هو وجه مارسيل خليفة الأسطوري .. كل شيء فيه مُرسل ، شَعره ، لحيته ، وشاحه الأحمر ، لا شيء في وجه مارسيل خليفة إلا ويعيش بحرية. وشاعر ساحر لديه الكثير من النساء وليس عليك أن تختار. هو من سيمنحك الفتاة التي تناسبك أو تستحق. ولا أنسى نزاعاً أهلياً صغيراً بين فلسطيني وآخر معتوه.

كل هؤلاء كانوا في مسرح فيروز و”هِنّ علموني”

مارك أبو نعوم

أكتوبر 4, 2009

Marc abu naom

 

 

 

 

 

 

 

له ملامح طيبة .. طيبة ، طيبة جداً
لفترة طويلة كنت بالكاد ألمحه خلف البيانو يرافق جمانة مدوّر أو عبير نعمة .. كان يبدو كجزء من الآلة
منحها مطلق الحرية أن توجد نيابةً عنه .. أن تحضر نيابةً عنه .
يُقال أن ما تعجز عن وصفه بالكلام .. ستجد في الموسيقى ما يؤدي ذلك وأحياناً في أحلى صورة ..
وهذا ما تحكيه ملامحه عنه .. حتى أن هذا التسجيل من لقاء له في نقطة فاصلة مع حبيب يونس كان قليلاً ما يتحدث
والمفارقة أن لغته الأم ” البيانو” لم تكن حاضرة .. أستطيع أن أدرك كم كانَ ذلك صعباً ، أدرك لأني لم أسمعه يقول أن العزف على الكي بورد بالنسبة له سيبدو كمن يتحدث بلغة بديلة يستخدم مفرداتها أكثر من روحها !
لكن وبهذه اللغة البديلة كان يكفيه نَفَسهُ الصادق .
طيب جداً هذا المخلوق ، وطيبة جداً ملامحه
_