Posts Tagged ‘زياد الرحباني’

ولا كيف

أبريل 12, 2019

لم أكن أعرف عنه أكثر من أعماله الأولى وحكاية ( سألوني الناس ) وانه ابن عاصي وفيروز وانه مُبدع “كيفك انت”

في حوار طويل له كان من جزئين تزامن مع حضوري لأول حفلة لفيروز في البحرين وكان توقيت الحفلة بين جزئيه.

حاولت من ذلك الحوار أن أفهم هذا الرجل الذي ضل يتردد اقترانه بالحزب الشيوعي في الفضائيات اللبنانية الكثيرة منذ التقاطها قبل سنوات ومتابعتي لها.

كان يتحدث عن أكثر من موضوع في وقت واحد. يعود لإسم ليربطه بحدث ثم ومن خلال هذا الحدث يتشعب لعدة أحداث وتواريخ وأشخاص، لم أكن أعلم في ذلك الوقت أن هذا هو أسلوبه في المراوغة. ولم أربط أبداً بين ماقاله جوزيف حرب في ذلك الحوار عنه_ “زياد يتقاطع مع كل إنسان في مكان ما” وبين ما ربطته مستقبلاً به.

في الحقيقة لا يتقاطع زياد مع شي أكثر من الحرب الأهلية، هو يشبهها كثيراً.

داخل زياد جانب يريد أن يبقى كما هو وبكل مايملك هذا الجانب من قدرة على السيطرة دفاعاً عن وجوده واستمراره وخوفاً من أن يفقده أو أن تقل أهميته. يريد له أن يكون أكثر تأثيراً على شخصيته ويبدوا أنه وجده بعد عناء والكثير من التضحية. هذا يجعله في حالة توتر مستمرة واستعداد مسبق للدفاع عنه. حذر جداً بشأنه ويرتاب من كل شيء يحدث حوله خوفاً عليه.

وجوانب أخرى كثيرة وبدرجات مختلفة من الأهمية والتأثير.أكثر مما لدى أي شخص آخر ، أكثر بكثير. لذلك اضطرابه لا يشبه أي اضطراب، لا في الشكل ولا المقدار ولا المضمون إذا تنازعت هذه الجوانب في شخصيته.

لكن لم يمنع عدمُ إدراكي لمعظم ما يقول الإنجذابَ الشديد لشخصيته والاستسلام لكل اهتمام تثيره هذه الشخصية الغير مألوفة على الإطلاق

الحوار كان مليء بالإشارات للحرب الأهلية وكنت من بعد أول زيارة لبيروت بدأت أكترث لكل مقال أو برنامج أو خبر يأتي على ذكر الحرب الأهلية في لبنان فتحول إلى شغف. كان من الهين علي أن أفهم ما تعلق بالحرب في الحوار رغم صعوبة لهجة زياد تحديداً ، لكنها كانت المرة الأولى التي أنتبه لدور زياد وموضعه فيها.

زياد في حوار آخر عقب ذاك بعشرين سنة قال إنه لا يلتفت لما يحمل أكثر من معنى، وهذا لا يظهر على شكل تجاهل تام إنما انحياز واضح للبديهي طالما كان كافياً، وتغليبه بأي وسيلة.

لا أظن أن حرب لبنان الأهلية كانت بعيدة الشبه عن ذلك.

سألني جاري الذي تابع ترقبي للحوار عن رأيّ في زياد بعد أن أخبرني أنه لم يطق متابعته لأكثر من دقائق ، فأجبته بإجابة غاية في الطفولية، عندك فكرة ايش عملت فيهم الحرب ؟

كانت أشبه بمجاراة لانطباعاته وتسليم مبطن أن الرجل “مش طبيعي ”

ما بين ( كيفك انت ) إلى ( ولا كيف ) عشر سنوات تقريباً ؟

“كيفك انت” هي ( أم ) حياتي. ولا أدري إن كانت دفعتني للبحث عن المرأة فيها فوجدتها. أم لأن تلك المرأة كانت موجودة وكان علي فقط أن أسألها “كيفك قال عم بيقولوا صار عندك ولاد”هكذا حرفياً وهلّم جرّا حتى “بيطلع ع بالي .. إرجع أنا وياك” بعد سنوات لم تقبل تلك المرأة أن يكون اسم ابنتنا لا فيروز ولا بيروت. لكن لا يهم، ما فعلاً الأسامي مش كلام.

طعم و لون وشكل حياتي الآن ولدوا من “كيفك انت” من لحظة تلك الدهشة الفارقة والغارقة في الممكن المستحيل، بيانو زياد المدهش ونَفَس فيروز.

ربما وحسب رأي جوزيف حرب هذا ما اتقاطع فيه مع زياد ؟ أو ربما ليس هذا مما يمكن أن يعنيه. وعلى أي حال ليس هذا كل شيء.

نسخة ( كيفك انت ) الأصلية لم تتوفر إلا قبل عام من رؤية بيروت لأول مرة ، وكنت أسمعها طوال رحلة الباص الطويلة إلى دمشق. حتى عندما كان يتوقف ليشد الركاب عضلاتهم المكومة لساعات أو لشراء شيء من المحطة، أنزل للأرض وألفح صقيع الصحراء في يناير بكيفك انت ؟

هذا سبق بوقت طويل جداً التحول الذي دفعتني إليه ( كيفك انت ).

زياد كذلك يتقاطع بوضوح مع الحمرا، روحهُ فيها، مهما تغير أو تغيرت.

سمعت ساعات طويلة من مقابلات زياد ودائماً لدي يقين أنني فوّتت دقيقة تحدث فيها عما تعنيه له كمكان. يقين يتبدد أحياناً بسبب طبيعة زياد، لا تُغرق عواطفه الوصف المجرد إلا بإضافات نادرة لمحتها في حديثه عن جوزيف صقر وعن معلم البيانو وعن والده وأخته ليال. ولا الحمرا فاضية تظهر عواطفها لأحد لكنها مثل زياد، خلف كل باب فيهما شيء لا اعرف وصفه ، لكنه يستحق التأمل.

لا يمل من السخرية على ما يصفه دائماً بأغاني الحرب لفيروز ، كان ذلك ينفرني منه بشدة خصوصاً مع كثرة ظهوره في الفضائيات بعد مسرحية “بخصوص الكرامة … ”

لكن تحول ذلك وعبر سنين لما يشبه حالة فهم تتطور مع زيادة الوعي والاقتراب أكثر من التفاصيل. أصبحت أتفهمه وأتخيل مقدار الحسرة التي عاشها وهو يرى ويصدّق أن ما كان على صوت فيروز أن يوصله في الحرب بعيد كل البعد عمّا اكتفا الأخوان بتركيبه.

هذا لا يجعله على حق بالمطلق لكن زياد طول عمره ولد.

بمنتهى البساطة يمكن القياس على ذلك بالمرة الأولى التي سمعت فيها عمل ( ولا كيف ) وكيف أصبحت في الأربعين أسمع “العقل زينة” لدرجة الحفظ، تماماً كما كنت أفعل قبل عشرين سنة مع كاسيتات أحمد مطر ومظفر النواب ونزار.

سحبته من كاسيت السيارة وألقيته من النافذة في مكان ستصل إليه العجلة لتعجنه بالإسفلت، تحول زياد لشخص لا يعني لي شيء بالمرة ولم يعد يعنيني ما يمكن أن تضيفه فيروز طالما أن هناك ما يكفي.

لن يمض أكثر من عام بعد هذهِ الحادثة على زيارة بيروت الثانية ولن يمض أكثر من عام على بداية سلسلة أفلام وثائقية أنتجتها وبثتها قناة الجزيرة عن حرب لبنان الأهلية. كانت الفضائيات اللبنانية بطبيعة الحال تبث برامج وأفلام عن الحرب. وما بين الزيارة الأولى والثانية لبيروت تكونت في ذهني انطباعات كثيرة عن لبنان وتعرفت من قناة LBC الفضائية على شربل روحانا لكن لم تكن تلك المرة الأولى التي أسمع فيها عوده.

بالتأكيد حين تصادف جمال بعد أن تكون قد انتهيت من آخر اختبار لك بعد آخر يوم دراسي في كل حياتك فستراه أجمل أو على الأقل ربما.

كان في وقت مبكر من اليوم وأستطيع أن أقول صباحاً أو “ع بكرا” لمحت في القناة عازف عود يملأ كل محيط نظري حظوراً وجاذبية وإحساس مُبهج بصوت أوتار عود يحظنه. ملامحه يسارية يشبه مارسيل ومهدي عامل وجورج عبدالله وجملته كانت تشبه زياد.

بالتأكيد هي إحدى تلك اللحظات التي لا يستطيع الزمن محوها، كان العزف ضمن حوار قصير عرفت منه الاسم. حين عرفت أنه عزف مع مارسيل في “جدل” فهمت لماذا أحببت هذا العمل أكثر من أي شيء آخر لمارسيل.

ذلك الحوار الطويل لزياد مع جيزيل خوري وهي إحدى وجوه بيروت. خصوصاً ما تعلق فيه بالحرب الأهلية وما ارتبط في مخيلتي بدور زياد فيها أثار اهتمامي أكثر من أي وقتٍ مضى.