Archive for the ‘وحكاية بيروت’ Category

ع بيروت

مايو 4, 2019

“كل الزمان اللي قلت عنه راح ما بيرجع .. ما تعلي صوتك ، بيسمع”

طلال حيدر

مازال النهار في بدايته ، احتاج لأضعاف هذا الضوء ليناقض المشهد المظلم الذي رأيت عليه شارع الحمرا للمرة الأولى قبل سنوات. على الأقل إلى هذا الحد من التناقض بين صقيع ذلك اليوم وحرارة بيروت في مثل هذا الوقت من السنة. كل الوجوه هناك إما معروفة أو مألوفة، لا أدري إن كان لقناة الجزيرة في ذاك الوقت مكتب أو ماشابه، لكني قابلت وقتها أكثر من وجه يظهر في القناة وبشكل متكرر. كل الوجوه هناك تُطال وتُحاوَر..

ذهبت لجابي الحلاق في بناية جميلة مقابلة للكازادور، جميلة وغريبة، بعد دخولها تخرج إلى كورت مفتوح يعيدك مرة أخرى للشمس ، حوله رواق واجهات المحلات التجارية. جابي في الدور الثاني، وصلت إليه بعد أن سألت ربما موظف الأوتيل عن محل حلاقة. يضع على مرآته المصقولة والنظيفة صور لمشاهير الستينيات من الرجال الذين تعاملوا معه مثل كمال الشناوي ورشدي أباضه وآخرين من كبار الساسة اللبنانين في ذلك العقد. كل حديث عن الحمرا حتى وإن كان عابر لن ينتهي دون التحسر على حالٍ كانت عليه وآخر آلت إليه.. لن أفهم ذلك يوماً برغم علمي أن هذا الشعور صادق وموجود وهو في أساسه شعور مُلتبس لدى صاحبه أو أنه خاص به على الأقل. بالتأكيد كان هذا ما يردده جابي ليسليني ترافقه موسيقى غربية. كان عمره في آخر الخمسينات، بعد ما يقارب العشرين سنة سيرزق جابي بمولده الأول. تغير كثيراً ،لم يزل بصحته لكن زهوه الشديد بنفسه تحول إلى تذمر دائم واتحاد مستمر مع دور الضحية، كنت طوال تلك الفترة أسمع منه في كل مرة أزوره فصلاً جديداً عن خلاف حدث بينه وبين مالك البناية أدى به للإنتقال لغرفة معتمة في إحدى بنايات الحمرا، هدمت تلك البناية المُشمسة وإلى الآن لم يتضح بديلها. أحضر معه صوره التي يعتز بها لكن لم يعد لديه مرآة، أعاد توزيعها على الجدار المقابل للكرسي مع صورة ولده البكر ذي السنتين.

في الشارع كان لايزال هناك ملصقات وعبارات التأييد للانتفاضة الثانية ومعها الكثير من الشعارات المدنية وبوسترات سهرات الصيف، وأكشاك الصحف لازالت بعافيتها وبعناوينها المنشورة على حبل معلق من طرفيه على جدار يفصل ما بينه وبين الكشك عيون المارة على الرصيف فيتداخل ما كتب على الجدار مع مانشيتات الصحف المنشورة عليه. سألت الصراف عن مكان البيكاديللي ، قال احترق من شي سنة، ونسيت الموضوع.

في مكتبات الحمرا الكثيرة والشهيرة كانت الكتب عن الحرب الأهلية قد ملأتها، حتى ذلك الوقت لم أكن سمعت عن عملية الويمبي، قرأت عنها مباشرةً بعد نهاية هذه الزيارة فتحولت معظم مشاهد الحرب التي أتخيلها بديكور شارع الحمرا.

باب زجاجي أزرق لمقهى صغير يُفتح فجأة فتخرج منه غيمة هواء باردة تلاشت بسرعة وسط مزاج ذلك الرصيف الحار و الرطب على الميلة الغربية لشارع الحمرا ومع الغيمة صوت فيروز وزياد وطلال حيدر معاً. كيف كانت الحمرا التي يتحسرون عليها؟ أغلق الباب ذاته واختفى صوتها المبحوح وهي تغني “بيبقوا متل هالغيم العتيق” ، من يحب الليل كما يفعل طلال حيدر فإن أكثر وقت يكرهه هو العصر لأن العصر شيخوخة النهار ومخاض الليل. يضعه ما بين مزاجين وأمام فراغ تظهر فيه كل ما غيبته صرامة النهار أو غيبه مجون الليل، لابد وأن طلال حيدر كتبها ذات عصر.

العصر في الحمرا هو ذلك الغروب الكريه أسفل التلة، يزيد سطح المتوسط تلك الهالة من الكآبة حول الشمس وهي تغرب. شعور يشبه إستحالة العودة أو الوصول. لم يستحق الحسرة لولا انه كان موجود، وإذا كان موجود، أفلا يكفي؟ لقد تحول إلى حضور وغياب معاً.

أن تُشبه الجميع أو معظمهم فلابأس عليك وكلما زادت “معظمهم” زاد البؤس على البقية، هنا لايمكن لهذه المعادلة أن تتنفس. هنا من المستحيل أن تكون بقية، لأن كل من تراه أو تمر بجانبه ليس لديه “معظمهم” ينتمي إليه. أي زحام هذا الذي لا يمنح امتياز لهوية على أخرى ؟

تقاتلوا ؟ صحيح ، لكن ما انتصرت هوية منهم ولا انهزمت أخرى.

وحكاية بيروت

أبريل 27, 2019

“مثلاً…ولأن بيروت الغربية كان يطالها القصف الإسرائيلي باستمرار، كبرت بيروت الشرقية على حسابها.. كان كل من يذهب لبيروت بعد ٨٢ يسكن في الشرقية الأكثر أمناً”

الدكتور خالد العصفور من مادة التخطيط الحضري والإقليمي.

بعدها بأسابيع كنت في بيروت ، يناير ١٩٩٤ ، ولَم يكن هناك اي علاقة بين مثال الدكتور خالد _والذي اعتبره الشرارة الأولى لكل هذا الولع ببيروت_ وبين وجودي فيها أو حتى نيتي الذهاب لها.
(more…)