وحكاية بيروت

“مثلاً…ولأن بيروت الغربية كان يطالها القصف الإسرائيلي باستمرار، كبرت بيروت الشرقية على حسابها.. كان كل من يذهب لبيروت بعد ٨٢ يسكن في الشرقية الأكثر أمناً”

الدكتور خالد العصفور من مادة التخطيط الحضري والإقليمي.

بعدها بأسابيع كنت في بيروت ، يناير ١٩٩٤ ، ولَم يكن هناك اي علاقة بين مثال الدكتور خالد _والذي اعتبره الشرارة الأولى لكل هذا الولع ببيروت_ وبين وجودي فيها أو حتى نيتي الذهاب لها.

كانت إحدى الزيارات المعتادة إلى دمشق والتي يستطيع حتى الطلاب في ذلك الوقت توفير مبلغ يكفي لتذكرة الباص والسكن في حي السيدة زينب لمدة أسبوع.

أخذني أنا ورفيقي ابنُ صاحب البيت الذي استأجرنا غرفةً فيه إلى بيروت بعد يومين من وصولنا ..

لا أدري كيف وجدت بيروت في ذهني على هيئة ( بنت ) ، هكذا تماماً بنت جميلة طبعاً ، بنت حلم ، بنت لذة. فيما بعد أصبحَت وحتى الآن الحب الأوحد. تلك البنت الجميلة ( طبعاً )

بنت ظهرت من كاسيتات فيروز .. من المجموعة الشعرية الكاملة لنزار .. بنت “لها عنوان” عنوانها من كلمة واحدة فقط : بيروت

يناير ١٩٩٤ / عون راجع

سأجد الصورة ، لكن الصورة المُختبئة داخل صفحات كتاب لا تظهر إلا إن أرادت هي الظهور.. لا تظهر إلا حنيناً لضوئها الأول.

صادَفَتني الصورة قبل أشهر مكتوب خلفها .. بير العبد – بناية شعبان، الضاحية يناير ١٩٩٤، المكان الذي قضينا فيه ليلة عاصفة أنا وصديقي الذي أخذني من مواقف الجامعة إلى محطة الباص ثم إلى بيت أم عماد في إحدى حواري السيدة زينب بريف دمشق. محمولاً مكفولاً حتى بإكرامية موظفي الجمارك.

كانت دمشق تعيش حدادها على باسل الأسد الذي وصل نبأ مقتله ونحن في معبر درعا الحدودي، وكان ذلك سبباً كافياً لاختيار عدم الاستعجال في العودة إلى دمشق بعد أن قضينا أنا وصديقي ليلتين أو ثلاث فيها قبل الذهاب دون ترتيب مسبق إلى بيروت.

وربما كان للعاصفة التي لم تهدأ قبل منتصف الليل نصيب من هذا الاختيار.

صباح اليوم الأول في بيروت كانت بنكهة شيعية بحكم أن أغلب ساكني هذه الضفة الفقيرة من الأسكلة هم شيعة

جرافيتي وحيد على جدار أحد الأبنية لم يكن منسجم مع كل ما حوله من لافتات وعبارات كربلائية على مد الإنتباه من بير العبد إلى الأوزاعي ” عون راجع ”

بالتأكيد كان اسم عون يتردد على مسمعي ربما في نشرات أخبار الإذاعة أو ما شابه ، و”ما شابه” هذا لا أعرفه بالضبط، لكن إلا ما يكون سمعت بـ عون المقصود بهذي العبارة ، لكن المعنى كما هو، ضَل مُلتسباً، فالجملة توحي وسط كل هذه الكربلائيات أنها جملة فعلية مفادها الدعم أو شيء من هذا القبيل..

لم أتذكر حينها جون شهيد كربلاء، الفتى المسيحي الذي اختار طوعاً الشهادة تحت راية الحسين في موقعة كربلاء الشهيرة حسب الروايات،

لم أتذكره لأني أساساً لم أدرك أن عون هذا اسم. ومثل هذا الالتباس تكرر في غير صالحي بعد ذلك بعدة سنوات وفي سياقٍ بعيد جداً. حدث ذلك حين سألت بائع في ( ميجا ستار ) ، هل يوجد أي ألبوم لشربل روحانا ؟ فأجاب ، إزاي يعني شربل روحانا ؟ وهذا ما لن يُهمل دون العودة إليه مُفصلاً في هذه التدوينات.

لم يستشهد جون المسيحي على يد الحسين لا طمعاً في دنيا ولا حتى آخرة حسب ما يروق لي أن أصدِّق وأروِّج دائماً، لكن جون تربى على يد أبي ذَر الغفاري اليساري الشهير والمؤسس الأبرز لمباديء العدل والمساواة والعيش المشترك في الرعيل المبكر جداً من رموز وشخصيات الإسلام، وأبو ذَر هذا كان قد نفاه معاوية إلى جبل عامل جنوب جبل لبنان وستجد دائماً مؤرخ أو باحث ينسب إليه الفضل في تثبيت التشيع واتخاذه الهوية الإثني عشرية بعد تهجير الشيعة الموزعين من شمال الجبل إلى جنوبه في أكثر من محاولة إبادة جماعية على يد أكثر من “جزار”

بعد عقدين من الزمن عون رجع. وما جعلني استحضر هذه الخبيصة اللبنانية من الأحداث والأسماء أن هناك من ربطوا فعلاً بين جون المسيحي و عون المسيحي غداةَ توقيع التفاهم المعروف بين الجنرال كطرف والسيد كطرف آخر ، ليس لأن حرفاً من جملة مكتوبة على جدار بناية قديمة قد التبس عليهم أو حتى ذكّرهم بآخر . ولا ليقولوا أن هذا الطرف هو جون العصر لكن ليقولوا أن الطرف الآخر هو حسين هذا العصر.

كان من الطبيعي جداً المرور على معالم بيروت الشهيرة قبل العودة إلى دمشق، كنّا قد مشينا بالسيارة من بير العبد لبير حسن ثم إلى برج البراجنة حيث مرقد الإمام الأوزاعي ولك أن تتخيل أن يكون ذلك أول ماتراه في بيروت ثم يكون بداية النصف الثاني من اليوم في الحمرا ! لكن لحظة أقصد الحمرا اليوم، في ذلك الوقت كانت مختفية، غطى كل بيروت غيمة شديدة من السواد ، حتى كأن الليل قد أتى قبل موعده بثلاث ساعات.. الصقيع كان حاضراً كذلك. وتهديد الغيمة السوداء بصوت الرعد حيناً والصواعق حيناً آخر أنَّ لا حمرا اليوم. اشتريت سكارف صوف من أحد المحلات القليلة المفتوحة ولم يلفت أي شيء آخر نظري أو يثير انتباهي وكأن الحمرا قد وجدت أن الوقت لا يناسبها للقاء حبيبها الجديد، غادرنا سريعاً نزولاً باتجاه الروشة.

كان الضوء قد بدأ يعود تدريجياً وسمح ذلك بإعادة ضبط مشهد الصخرة الشهيرة بألوان كانون الطبيعية.

ما قبل ظهر ذلك اليوم لم يكن أبداً كما بعده.

في الضاحية كان لو طُلب منك اختراع كلمة تصف بها الزحام الشديد فيها، غالباً ستكون “عجئة” حتى لو لم تسمع بهذه الكلمة من قبل. أما عجّ فهي معروفة ، عجّ المكان أي امتلأ وعجّ الطريق أي اختنق بالمارة .. أما الجزء الآخر من الكلمة سواء نُطقت بالقاف أو الهمزة فهي تعادل التأفف الناتج عن السأم الشديد. ، إذن سأختار “عجئة” ، في المقابل لن أختار “رواق” لما كان الحال عليه في الروشة ، كان أشبه بالوحَشة. تقريباً لا أحد ، لا أحد ع الكورنيش ولا أحد في المطعم ذي الإطلالة الساحرة على صخرة الروشة.

قلت لعماد ، تصور ، كنت اذا تردد اسم الضاحية في نشرات الأخبار بالذات بعد اغتيال عباس الموسوي أحسبها قريبة من فلسطين في جنوب لبنان ، وواضح ان هذا الالتباس بسبب اقتران اسم الضاحية بموقعها في جنوب بيروت ، فتسمّى دائماً الضاحية الجنوبية !

كان رد عماد بعيد جداً عن حديثي قال : لكن لاحظت العجئة فيها ؟

لديه كل الحق ، في الطريق من بير العبد إلى برج البراجنة توقفت السيارة في مكان ما لوقت يبدوا أنه كان طويل جداً لدرجة أنه تسبب إلى عماد وإلى رفيقي بضجر بدا واضحاً ، أما أنا، فلا تلك المرة ولا غيرها اكترثت من عجئة بيروت وتحديداً حينها.

توقفت السيارة على مفرق من ثلاث شوارع، هناك التقطَ رفيقي الصورة التي آلت إلى مخبئها السري بين صفحات كتاب، وهناك تحديداً رأيتُ بيروت البنت.

من مقعدي الخلفي في السيارة وعلى بعد رصيف كانت تقف تلك البنت أمام دكان صغير له باب خشبي، أُسندت درفتاه على جدار بناية من دور واحد وقد امتلأت إحدى الدرفتين بصور مطربين وموسيقيين كان من بينهم صورة صغيرة لفريد الأطرش وزياد رحباني وصورة أخرى ضخمة لفريد على الدرفة الخشبية الأخرى.

جينز وتي شيرت أبيض قصير، بينهما خصر عاري أو حزام من الجلد الإلهي الخالص .. جلدٌ دبغه التاريخ خليطاً من جينات لا حصر لها ، ويا سبحان من جمعها في خصر .. فينيقي على آشوري على فرعوني، رومي و عربي و عثماني وفارسي.

مع الحركة البطيئة للسيارة كانت زوايا الرؤية تتغير والمسافة تبعد، وبصري مشدود نحوها حتى اختفت.

في الروشة تمنيت لو بإمكاني أن أصمت للأبد، وكنت أبدو فعلاً كمن بدأ محاولة تحقيق أمنيته.

على الطاولة البريمو في شرفة ذلك المطعم الداخلية ، أو الشتوية ان صح الوصف .. جلست أنا ورفيقي علي، وعماد أمامنا. طلبت من عماد مفتاح سيارته ثم ذهبت للسيارة الوحيدة الواقفة أمام مدخل المطعم تماماً في مكان لا أظن أنه موقف لسيارة.. عموماً قبل الوصول للسيارة لآخذ منها علبة “البانادول” باغتتني وبدون أي مقدمات عرّافة صغيرة في العمر، أو على الأقل أصغر من أن توحي بأنها ذات خبرة وتجربة في التبصير. لا أعلم كيف ظهرت عرافة في هذا المكان الخاوِ تماماً من الناس وفي هذا الصقيع . تلت عليّ العبارة التسويقية الخاصة بها وكانت ذات سجع رقيق ولهجة مليئة بالخفة والطلاقة، تفاجئت لدرجة إني بقيت صامتاً وهي تسرد علي قائمة الخدمات التي بالإمكان تقديمها لي حتى وصلت إلى “ورح قلك إسما”، والحديث عن حبيبتي ! كنت في التاسعة عشر من عمري وحبيباتي أكثر من عدد البنات اللاتي رأيتهن في حياتي وأغلبهن ليس لهن “إسمٌ أو وطنٌ أو عنوان” فلربما ساعدتني هَذِهِ العرافة المبتدئة بمعرفة ما لا أعرفه أنا أصلاً. لم أقاوم فضولي ولم أمد عليها ورقة العشرين دولار الوحيدة في جيبي قبل أن آخذ منها عهداً أن تعيد لي الورقة في حال لم تفِ بوعدها.

أخذَت العشرين دولار من يدي وراحت تتمتم بعبارات غير مفهومة وعلى ذات السجع حتى تبينت لي الخديعة المتوقعة.

طلبت منها أن تكف وأن تعيد لي الورقة، لكنها لم تفعل ووعدتني أن ما أريده سأحصل عليه بشرط إعطائها مبلغ إضافي.

أنا شخص خجول جداً ، لا أملك شيء من الجرأة وذكائي محدود وأخاف دائماً من الصراع مع أي كان، لكني في تلك اللحظة كنت على استعداد لفعل أي شيء كي لا ينتهي الأمر بهكذا خديعة. خاصةً أنها كانت في غاية الشراسة وهي تقبض على ورقة العشرين دولار وتقاوم محاولتي استرجاعها بما هو متاح من قوة.

قلت لها عبارة توحي أن بإمكاني إلحاق ضرر بها سيجعلها لا تنساني أبداً وتندم كثيراً إذا لم تعد لي ورقة العشرين دولار. وانتهى كل شيء، بكل هدوء ، وضعت الورقة في يدي وكُسرت العرافة الصغيرة حدَّ الشفقة.

هكذا، سهمت وحملتها خطوات خائفة دون أن أتتبع أين توارت..

لم يكن أمامي خيار آخر ، فهمت طبعاً بعد حين أن بيروت في ذلك الوقت كان كل شيء فيها قابل للتصديق، لأن الجنون الذي عاث خراباً بها لم يهدأ سوى قبل أشهر.

ساعدني أيضاً انني لم أحدد لها من يمكن أن أكون ويبدوا أن المناخ الأمني تكفل في إيصال خيالها إلى أبعد حتى مما توقعت.

مزهوّاً “أعود .. أعود ، أعود لطاولتي” ومعي ورقة العشرين دولار وأنا أُغنّي “قد تغدو امرأة يا ولدي يهواها القلب هي الدنيا” تلك الفتاة الصغيرة الخائفة النحيلة المهزومة المزيونة، بدَدَتْ وحشة المكان وعدت لأتمنى وأنا أنظر للمتوسط أن أصمت للأبد.

صورة أخرى اختفت تماماً ولا أمل لي أني أجدها لا في كتاب ولا في أي مكان آخر التقطها رفيقي لي ، ساجداً أقبّل موطأ القدم الأخير في بيروت ع الروشة قبل العودة إلى دمشق.

لا أدري كيف ولمَ فعلت ذلك، فلم تكن بيروت حتى تلك السجدة تعني لي أكثر من بنيّة جميلة ومعلومة وردت في فصل دراسي وعبارة من كلمتين على جدار بناية قديمة خلفها تختبيء حكاية طويلة ومعقدة لم أكن قد خمّنت مجرد تخمين ماهي “عون راجع ”

القبلة الأولى

للقبلة الأولى طعم الولادة، طعم البدايات، للقبلة الأولى نكهة الفتح ولمَ لا ؟ الفتح العظيم

لا أدري كيف جثوت على ركبتي وقبّلتُ “بروحيَّ تلك الأرض” وليس لدي أي تفسير لطغيان تفاصيل تلك اللحظة على أي مشهد آخر تحتفظ به ذاكرتي .. وبطبيعة الحال لا أعلم كيفَ اخترت دمشق قِبلةً للقُبلةِ الأولى.

ليست قُبلة أولى إذا انتظرتها ، وليست قبلة أولى إذا سبق لحظة اقتناصها نوايا مُسبقة أو حتى إدراك أن لهذه اللحظة الكونية وجود أصلاً.

حين تحدُث، هي فقط من يحدد شكلها ونكهتها ومدى حياتها القصير حتى تتحول إلى نشوة أبدية تُغير كل شيء. كانت تعلّمني كيف تكون القُبلة وكيف ستكون الحبيبة بعدها.ألم أذكر إني اشتريت ( مجموعة نزار الشعرية ) في رحلة سابقة إلى دمشق؟ كان من الضروري أن أذكر ذلك. وضعته في حقيبة الملابس فوق كل اختباء وقررت التبجح.

كانت رحلة العودة من دمشق برّاً مضنية وطويلة بطبيعتها. في منفذ الحديثة الحدودي كان الزوار ( القادمون من زيارة حي السيدة زينب ، ومجازاً كنتُ من بينهم ) يضعون كل الحقائب على مصطبة تعادل طول حافلة ركاب أو أطول، ثم يفتحون أفواه حقائبهم في انتظار استجواب موظف الجمرك. انتظار قد يمتد ليوم كامل حتى يأتي الدور على مصطبة حقيبتك. يفرز الموظف أحشاء الحقائب ، والكُتب تُصادر.

كان نزار قباني يجمع بين الفكر الضال والشرك البيّن وقلة الحياء. يعرفه كل موظفي الجمارك ، مرَّ أحدهم على حقيبتي ومرَّ نزار من منفذ الحديثة الحدودي كما يفعل دائماً في مروره الباذخ والساحر إلى القلب وإلى الروح وإلى كل خلية في الجسد. هكذا دون أي تفسير للأمر.

كانت النسخة التي أهدتني إياها أختي قد ذابت بالمعنى الحرفي والفيزيائي للكلمة ،لست أنا من يتخلص ببساطة من كراكيبه لكن مع مجموعة نزار الشعرية القادمة إليّ من البحرين برفقة أختي ؟ كان الاحتفاظ بأشلائها مستحيل.

“ما للدمشقية الكانت حبيبتنا … لا تذكرُ الآن طعمَ القبلة الأولى ؟”

هذا البيت من قصيدة ( موال دمشقي ) لا اذكر من أي مصدر قرأتها في ذلك الوقت ، ليست ضمن أجزاء المجموعة الشعرية الكاملة لنزار ، ربما من مجلة أو ماشابه.

كان لها مذاق غاية في اللذة، أعيد كتابتها كلما اشتهيت وأغير في كلماتها. وإن لم تراوغني ذاكرتي ، فقد نسبتُ بعض أبياتها لنفسي.

لم أعرف حينها أبداً أن فيروز غنتها. ففي ذلك الوقت كانت تصلنا فقط الأغاني الشائعة المسجلة على كاسيت إلى أن أتى زمن اليوتيوب فصار “يفتحُ معلوماً ومجهولا “حدث ذلك قبل عدة سنوات فقط. لم أصدق ! وبما أني لم أصدق ، لم أتفاجأ .. سمعتها بصوت فيروز ومر وقت ليس بقصير من حالة الإنكار.

هذه القصيدة تبدأ بأسوء مطلع حسب مقاييسي النقدية الخاصة ، لطالما كان هذا رأيّ ولا يزال في حال جُرِّدت من الصوت الأعجوبة ، من صوت فيروز. لا شي جميل على الإطلاق في مطلع قصيدة يبدأ بالقدقدة وينتهي على مافيش. بصوت فيروز الأمر اختلف. صوت هذهِ السيدة يعبث بكل الثوابت. حتى جودة التسجيل _إن لم يتعلق بالسرعة_ لا يهم ولا يُنقص شيء من إحساس صوتها، لا يُلتفت لمقاييس خاصة حين يُشرق عالمها صباحاً.

بالمناسبة! كم الذين أعادوا المُخاطَب إلى فيروز ذاتها، حين غنّت لدمشق “فمنك ينهمرُ الصباحُ” ؟

كانت تُغني لدمشق العظيمة ، لدمشق الدنيا ، لدمشق القيامة لكن باعتبارها هي. وهذا أعظم إحترام لمن تُحب ، ألّا يُعرف أحدكما من الآخر. أو أن تتحولا لمعنى واحد، على الأقل في أذهان كل الذين سيجيبون بأنا على سؤال…

كم الذين أعادوا المُخاطَب إلى فيروز ذاتها، حين غنّت لدمشق “فمنك ينهمرُ الصباحُ” ؟

⁃ من أين َ ينهمرُ الصباح؟

⁃ بصحبة من تقضي دمشق صباحها؟

أو هل معقول إن فيروز “ما بتعرف إنها حلوة” ؟

هي لا تتحد مع المعنى ، هي تتحد مع الفهم وليأتي المعنى بأي شكلٍ كان.

وهي تغني “لا تذكر الآن طعم القبلة الأولى” .. كأنما نحيبٌ يستفز فيك كل مايساعد على الوصول إلى هذا الحد من الحسرة، بما في ذلك بالطبع ما قد جربت، “وأنا ماعندي تجربةٌ” ولم تساعد تلك العرافة على توضيح ما بقيت طويلاً أحاول فهمه..

من تلك التي كان لقبلتها طعماً لا يمكن أن يُنسى ؟

هن علموني 

في أحد أسواق مدينة الخبر وهي مدينة أخرى عرفتها كامرأة وأحببتها كامرأة وعرفت حكاية كل إنش مربع فيها. فهي الأقرب للجامعة وكانت الحالة الأسهل والأمثل للدراسة وتطبيق نظريات العمارة والتخطيط الحضري.

مدينة مُسرفة في أناقتها. لن تجد على ساحل الخليج مدينة أكثر شبهاً بأسأكل المتوسط منها. هي العمق المحلي لما هو داخل أسوار أرامكو من حياة لا تمت لطبيعة المنطقة بِصلة، حياة الخواجات وأسرة أرامكو الحاكمة.

في أحد أسواقها المُغطاة والمُكيفة والتي يأتيها زوجات وأسر موظفي أرامكو على مدار الساعة وأمام الزاوية المليئة بالمجلات لمحت غلافاً لمجلة.

على الغلاف صورة لرجل بملامح برجوازية وعينين مريحتين، وجهه ممتلئ ومُرتخٍ كأنه في حضرة قبر. وبالخط الأحمر عبارة من ضمنها ( الحزب الشيوعي اللبناني )

وفوق العبارة : جورج حاوي.

طبعاً سحبت المجلة( سحبت مش اشتريت ) وأخذتها لغرفتي في سكن الجامعة، أذكر أن أغلب الحوار كان نقداً سياسياً حادّاً وجادّاً لوليد جنبلاط بسبب تصريحٍ له عن عدم جاهزية لبنان لنظام ديمقراطي لأن الديمقراطية تحتاج لمن يحميها بينما لبنان ضعيف.

الغريب إني أُعجبت بكلام البيك بينما علقت صورة جورج حاوي بجانب مارسيل خليفة ومارادونا على جدار الغرفة.

تسبب إنطباعي أن بين الرجلين عداءاً خلفته الحرب الأهلية ببعض اللبس فيما بعد. ولأنه أنطباع أول بقي موازياً لحقيقة أنهما كانا حليفين حتى النهاية. لكن لم يدم هذا اللبس طويلاً. ولم يكن كغابة الالتباسات التي تصادفك في كل صفحة تقرأها عن تلك الفترة من تاريخ لبنان.

فالنظرة السائدة و المتبقية من طبيعة ما حدث في الحرب الأهلية أن الصراع دينيٌ صرف وأن عليك أن تتعاطف دائماً مع فريق خاض الحرب من أجل الإسلام والمسلمين. وهو ما لا ينسجم أبداً مع صورة لزعيم شيوعي عُلقت على جدار غرفة واسمه جورج.

كانت نزعة المخالفة والتمرد على المُتفق عليه هي لعبتي المُفضلة وليس للاقتناع أو المعرفة بالتفاصيل أي دور في ذلك ، كل مايحتاجه الأمر بعض الادعاء والتظاهر.

حدث ذلك حتى مع فيروز التي كانت تميمة المثقفين وقلادتهم المُفضلة حين قررت التشبُّه بهم.

طبيعة أن الصراع كان دينياً صِرفاً، هي ما بُني عليه كل فهم عندي أو انطباع عن حرب لبنان ولوقتٍ ليس قصير.

لم يذكر الدكتور خالد العصفور ذلك أو يشير إليه بطبيعة الحال أو يتبناه، لا أبداً ، أبداً .

لكن جملته التي شرّعت أمامي الطريق لكل هذا الشغف ببيروت كانت مبنيه على فكرة التقسيم الديني أو الطائفي للمدينة. صحيح أن مثاله كان عمرانياً على التغيرات الحضرية والديموغرافية للمدن، لكن لا سبيل لفهم آخر حين يقترن ذلك التقسيم بلفظ “مسلم ” أو “مسيحي ”

وسأعرف بعد زمن أن الدكتور خالد، ذلك الشاب الذكي والمجتهد في منهجه البحثي لم يكن مُلماً كفايةً بحرب لبنان وطبيعة الصراع فيها. عرفت ذلك من خلال المرات التي نجحت في استدراجه للحديث عن لبنان وحربه الأهلية فتبين لي أن معظم ما كان يظنه مُلتبساً أو غير صحيح.

بعد الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢ أخذ الاهتمام بحرب لبنان الأهلية شكلاً آخر في دول الخليج بما في ذلك نشرات الأخبار وبما في ذلك أيضاً التعاطف الشعبي العام في البيت وفي المدرسة وكان يذكيه وجود أعداد لا بأس بها من الفلسطينيين في مجال التعليم حتى وصل هذا التعاطف ذروته بعد مجزرة صبرا وشاتيلا الرهيبة والتي اقتحمت كل بيت. لم تكن الكلمة مفهومة كما هي. لكن كل هذا البؤس في الوجوه ولِما كان يتبعها من كلمات مثل دم وقتل وإسرائيل أظنني تخيلتها القيامة في وقت لم أكن أعلم ما تعنيه كلمة مجزرة.

بقيت أخبار الحرب الأهلية تتردد طوال فترة الدراسة دون أن تلفت انتباهي طبعاً، رأيت وسمعت نزاع بالألفاظ والشتائم بين اثنين من الفلسطينيين في الثانوية كان أحدهما معتوه ، يخفي دائماً تي شيرت أبيض تحت قميصه مكتوب عليه “فتح” وكثيراً ماكان يأتي أمامي ليشتم نبيه بري، كان اسمه أيمن كان أيمن معتوه. لكن لا بد وأن فضولاً قد انتابني ولو قليلاً لأعرف هذه الأسماء التي كان يرددها في حديثه، ولم يصمد ذلك الفضول لدقائق على ما أعتقد.

( لن أفهم سبب ما كان يفعله معي إلا بعد وقت طويل جداً )

بعد أن شهدت ذلك النزاع الفلسطيني الفلسطيني الصغير بسنوات قليلة كنت في بيروت للمرة الأولى.

كانت كاسيتات مارسيل خليفة تصلنا مع المهربة لأحمد مطر ومظفر النواب و نزار قباني، ودرويش، من الكويت.

كانت هذه الكاسيتات رغم قلتها هي كل وقتي وشغفي ومتعتي. معهم الأعمال الشعرية الكاملة لنزار قباني. كل هذا كان يمزجه صوت فيروز ليحوله إلى مزاج يملأ العمر. الحق أن فيروز والرحابنة ما ابتدعوا وطن. خلقوا مزاج

صوت فيروز مسرح كبير بالإمكان ألا تغادره أبداً. أن تبقى فيه قدر ما تريد ومع من تريد. بالنسبة لي هذا ما حدث..

معلومة عابرة من استاذ في الجامعة ، شاعر سكّير هارب من حكم إعدام إلى حكم مُعدم، وآخر ثوري أنيق “بوجهٍ كالح وصوتٍ متهدج أكل منه فيروس الزكام ما أبقاه فيروس النظام” واثنان في واحد أحدهما على الأقل لم أعرفه أبداً دون موسيقى، لم أره مطلقاً إلا بوجه مارسيل خليفة الأسطوري.

وكأن ما كان ينقصني هو وجه مارسيل خليفة الأسطوري .. كل شيء فيه مُرسل ، شَعره ، لحيته ، وشاحه الأحمر ، لا شيء في وجه مارسيل خليفة إلا ويعيش بحرية. وشاعر ساحر لديه الكثير من النساء وليس عليك أن تختار. هو من سيمنحك الفتاة التي تناسبك أو تستحق. ولا أنسى نزاعاً أهلياً صغيراً بين فلسطيني وآخر معتوه.

كل هؤلاء كانوا في مسرح فيروز و”هِنّ علموني”

ولا كيف .. 

لم أكن أعرف عنه أكثر من أعماله الأولى وحكاية ( سألوني الناس ) وانه ابن عاصي وفيروز وانه مُبدع “كيفك انت”

في حوار طويل له كان من جزئين تزامن مع حضوري لأول حفلة لفيروز في البحرين وكان توقيت الحفلة بين جزئيه.

حاولت من ذلك الحوار أن أفهم هذا الرجل الذي ضل يتردد اقترانه بالحزب الشيوعي في الفضائيات اللبنانية الكثيرة منذ التقاطها قبل سنوات ومتابعتي لها.

كان يتحدث عن أكثر من موضوع في وقت واحد. يعود لإسم ليربطه بحدث ثم ومن خلال هذا الحدث يتشعب لعدة أحداث وتواريخ وأشخاص، لم أكن أعلم في ذلك الوقت أن هذا هو أسلوبه في المراوغة. ولم أربط أبداً بين ماقاله جوزيف حرب في ذلك الحوار عنه_ “زياد يتقاطع مع كل إنسان في مكان ما” وبين ما ربطته مستقبلاً به.

في الحقيقة لا يتقاطع زياد مع شي أكثر من الحرب الأهلية، هو يشبهها كثيراً.

داخل زياد جانب يريد أن يبقى كما هو وبكل مايملك هذا الجانب من قدرة على السيطرة دفاعاً عن وجوده واستمراره وخوفاً من أن يفقده أو أن تقل أهميته. يريد له أن يكون أكثر تأثيراً على شخصيته ويبدوا أنه وجده بعد عناء والكثير من التضحية. هذا يجعله في حالة توتر مستمرة واستعداد مسبق للدفاع عنه. حذر جداً بشأنه ويرتاب من كل شيء يحدث حوله خوفاً عليه.

وجوانب أخرى كثيرة وبدرجات مختلفة من الأهمية والتأثير.أكثر مما لدى أي شخص آخر ، أكثر بكثير. لذلك اضطرابه لا يشبه أي اضطراب، لا في الشكل ولا المقدار ولا المضمون إذا تنازعت هذه الجوانب في شخصيته.

لكن لم يمنع عدمُ إدراكي لمعظم ما يقول الإنجذابَ الشديد لشخصيته والاستسلام لكل اهتمام تثيره هذه الشخصية الغير مألوفة على الإطلاق

الحوار كان مليء بالإشارات للحرب الأهلية وكنت من بعد أول زيارة لبيروت بدأت أكترث لكل مقال أو برنامج أو خبر يأتي على ذكر الحرب الأهلية في لبنان فتحول إلى شغف. كان من الهين علي أن أفهم ما تعلق بالحرب في الحوار رغم صعوبة لهجة زياد تحديداً ، لكنها كانت المرة الأولى التي أنتبه لدور زياد وموضعه فيها.

زياد في حوار آخر عقب ذاك بعشرين سنة قال إنه لا يلتفت لما يحمل أكثر من معنى، وهذا لا يظهر على شكل تجاهل تام إنما انحياز واضح للبديهي طالما كان كافياً، وتغليبه بأي وسيلة.

لا أظن أن حرب لبنان الأهلية كانت بعيدة الشبه عن ذلك.

سألني جاري الذي تابع ترقبي للحوار عن رأيّ في زياد بعد أن أخبرني أنه لم يطق متابعته لأكثر من دقائق ، فأجبته بإجابة غاية في الطفولية، عندك فكرة ايش عملت فيهم الحرب ؟

كانت أشبه بمجاراة لانطباعاته وتسليم مبطن أن الرجل “مش طبيعي ”

ما بين ( كيفك انت ) إلى ( ولا كيف ) عشر سنوات تقريباً ؟

“كيفك انت” هي ( أم ) حياتي. ولا أدري إن كانت دفعتني للبحث عن المرأة فيها فوجدتها. أم لأن تلك المرأة كانت موجودة وكان علي فقط أن أسألها “كيفك قال عم بيقولوا صار عندك ولاد”هكذا حرفياً وهلّم جرّا حتى “بيطلع ع بالي .. إرجع أنا وياك” بعد سنوات لم تقبل تلك المرأة أن يكون اسم ابنتنا لا فيروز ولا بيروت. لكن لا يهم، ما فعلاً الأسامي مش كلام.

طعم و لون وشكل حياتي الآن ولدوا من “كيفك انت” من لحظة تلك الدهشة الفارقة والغارقة في الممكن المستحيل، بيانو زياد المدهش ونَفَس فيروز.

ربما وحسب رأي جوزيف حرب هذا ما اتقاطع فيه مع زياد ؟ أو ربما ليس هذا مما يمكن أن يعنيه. وعلى أي حال ليس هذا كل شيء.

نسخة ( كيفك انت ) الأصلية لم تتوفر إلا قبل عام من رؤية بيروت لأول مرة ، وكنت أسمعها طوال رحلة الباص الطويلة إلى دمشق. حتى عندما كان يتوقف ليشد الركاب عضلاتهم المكومة لساعات أو لشراء شيء من المحطة، أنزل للأرض وألفح صقيع الصحراء في يناير بكيفك انت ؟

هذا سبق بوقت طويل جداً التحول الذي دفعتني إليه ( كيفك انت ).

زياد كذلك يتقاطع بوضوح مع الحمرا، روحهُ فيها، مهما تغير أو تغيرت.

سمعت ساعات طويلة من مقابلات زياد ودائماً لدي يقين أنني فوّتت دقيقة تحدث فيها عما تعنيه له كمكان. يقين يتبدد أحياناً بسبب طبيعة زياد، لا تُغرق عواطفه الوصف المجرد إلا بإضافات نادرة لمحتها في حديثه عن جوزيف صقر وعن معلم البيانو وعن والده وأخته ليال. ولا الحمرا فاضية تظهر عواطفها لأحد لكنها مثل زياد، خلف كل باب فيهما شيء لا اعرف وصفه ، لكنه يستحق التأمل.

لا يمل من السخرية على ما يصفه دائماً بأغاني الحرب لفيروز ، كان ذلك ينفرني منه بشدة خصوصاً مع كثرة ظهوره في الفضائيات بعد مسرحية “بخصوص الكرامة … ”

لكن تحول ذلك وعبر سنين لما يشبه حالة فهم تتطور مع زيادة الوعي والاقتراب أكثر من التفاصيل. أصبحت أتفهمه وأتخيل مقدار الحسرة التي عاشها وهو يرى ويصدّق أن ما كان على صوت فيروز أن يوصله في الحرب بعيد كل البعد عمّا اكتفا الأخوان بتركيبه.

هذا لا يجعله على حق بالمطلق لكن زياد طول عمره ولد.

بمنتهى البساطة يمكن القياس على ذلك بالمرة الأولى التي سمعت فيها عمل ( ولا كيف ) وكيف أصبحت في الأربعين أسمع “العقل زينة” لدرجة الحفظ، تماماً كما كنت أفعل قبل عشرين سنة مع كاسيتات أحمد مطر ومظفر النواب ونزار.

سحبته من كاسيت السيارة وألقيته من النافذة في مكان ستصل إليه العجلة لتعجنه بالإسفلت، تحول زياد لشخص لا يعني لي شيء بالمرة ولم يعد يعنيني ما يمكن أن تضيفه فيروز طالما أن هناك ما يكفي.

لن يمض أكثر من عام بعد هذهِ الحادثة على زيارة بيروت الثانية ولن يمض أكثر من عام على بداية سلسلة أفلام وثائقية أنتجتها وبثتها قناة الجزيرة عن حرب لبنان الأهلية. كانت الفضائيات اللبنانية بطبيعة الحال تبث برامج وأفلام عن الحرب. وما بين الزيارة الأولى والثانية لبيروت تكونت في ذهني انطباعات كثيرة عن لبنان وتعرفت من قناة LBC الفضائية على شربل روحانا لكن لم تكن تلك المرة الأولى التي أسمع فيها عوده.

بالتأكيد حين تصادف جمال بعد أن تكون قد انتهيت من آخر اختبار لك بعد آخر يوم دراسي في كل حياتك فستراه أجمل أو على الأقل ربما.

كان في وقت مبكر من اليوم وأستطيع أن أقول صباحاً أو “ع بكرا” لمحت في القناة عازف عود يملأ كل محيط نظري حظوراً وجاذبية وإحساس مُبهج بصوت أوتار عود يحظنه. ملامحه يسارية يشبه مارسيل ومهدي عامل وجورج عبدالله وجملته كانت تشبه زياد.

بالتأكيد هي إحدى تلك اللحظات التي لا يستطيع الزمن محوها، كان العزف ضمن حوار قصير عرفت منه الاسم. حين عرفت أنه عزف مع مارسيل في “جدل” فهمت لماذا أحببت هذا العمل أكثر من أي شيء آخر لمارسيل.

ذلك الحوار الطويل لزياد مع جيزيل خوري وهي إحدى وجوه بيروت. خصوصاً ما تعلق فيه بالحرب الأهلية وما ارتبط في مخيلتي بدور زياد فيها أثار اهتمامي أكثر من أي وقتٍ مضى.

توت توت 

كان مجيء بيروت لأول مرة صدفة وكان لليلة واحدة وعاصفة، لكن لن تُنسى، لم أر الكثير في تلك الزيارة ولم أشعر بانجذاب لشارع الحمرا في وقت لم أكن أعرف منه سوى الاسم والبيكاديللي ولا أي شيء آخر. سرعان ما أصبح يتردد اسم الحمرا كثيراً في معظم ما قرأته عن بيروت أو لمحته في القنوات اللبنانية بعد انتشارها مابين الزيارة الأولى وهذهِ المرة.

هذه المرة وبعد سبع سنوات سأبقى لثلاثة أسابيع . الأسبوعان الأولان في البورتميليو على ساحل جونية وهو المكان الذي اختير لعقد اجتماعات تتعلق بعملي. وهذه المرة في الصيف ، وهذه المرة أعرف عن لبنان وبيروت كما لو جئتها لمرات عديدة. حتى الجغرافية بين بيروت وجونية لم تفاجأني. بعد أن وصلت أول الليل إلى الفندق ذهبت مباشرة بسيارة أجرة إلى الروشة، وتعرفت دون أي عناء على المطعم الوحيد الذي كنت دخلته في بيروت، هناك حيث إلتقيت البصّارة وقبّلت المكان.

كنت أعرف جونية لكن لم أتخيل أنها إلى هذا الحد جميلة. في الكسليك ظهراً صادفت طفلة رأتني أصوّر في مكان ليس فيه “ربما” مايستحق أن يصوّره زائر ، أوقفتني وهي في غاية الجدية ومنعتني عن الاستمرار في التصوير، وأنا عاملتها حقاً كبالغة. والخجل الذي انتابني كان يقيس ذلك بمنتهى الدقة، اعتذرت وتسربت. سمعت فيما بعد أن أهل الكسليك لا يحبون الغرباء، لكني لم أخرج من ذلك المكان الوديع قبل أن تصادفني والدة الطفلة لتعطيني ماء بارد وهي تعتذر بابتسامة، وصرنا أنا والبنت صحبة. بعد عشر سنوات أخرى وفي مكان قريب، ترجل سائق شاب من سيارته وكاد أن يقتلني لمجرد إني لم انتبه لحركة السيارة حين خطوت خطوتين أو ثلاث داخل الشارع تفادياً للمارة على رصيف ضيق. لم يبدُ أن كل هذا الغيض في وجهه وعباراته فقط لأني كنت سبب ارتباك حركة سيارته، لكن ربما لأن أهل الكسليك لا يحبون ( بعض ) الغرباء.

قبل المجيء كنت أتمنى لو أن مقر الاجتماعات في أحد فنادق بيروت، لكن سهولة الانتقال ليلاً بين المرفأين جعلت من الأمر يبدوا كأنه زيارة مكانين في وقت واحد. وكنت قد رأيت بعض من بيروت سابقاً فكان المكان حاضراً في كل ما تخيلته أو قرأته عنها. بينما كانت جونية غائبة عن المخيلة. لكن كل مافي بيروت وكل مافي جونية وكل مساحة وقع بصري عليها في لبنان كان مكاناً كنت قد تخيلته إما من صوت فيروز أو من أخبار الحرب الأهلية. صوت فيروز أكثر حضوراً هنا بطبيعة الحال من الحرب الأهلية وبوضوح، وفيما خلف جونية كذلك من بلدات كسروان ومرتفعاتها حتى قمم صنين. هنا تشاهد صوت فيروز على هيئة ما تخيلتَه مهما اختلف ما تشاهد عن ما تخيلت. غير أنه لم يعد هذا كل صوت فيروز ، أخذ بعضه زياد كغنيمة حرب سيكون هو وحده من بين كل المتحاربين الرابحُ فيها.

لا يتعلق الأمر فقط بالقدرة العجيبة في صوتها على مسرحة المعاني حين يحضر ولكن في أن هذا الصوت ذاته “يصير خيال ” فيتحول إلى خاطر يستدعيه المكان عند زيارته أو خاطر يستدعي هو المكان إذا اختار يفِلْ. لطالما كانت هذه الكيمياء هي سبب نفوري من أفلام فيروز بصرف النظر عن جودة إخراج المشهد السينمائي فيها بل أن هذه الجودة كما هو الحال مع زوايا شاهين العبقرية أو عمق إحساس هنري بركات تظهر وكأنها تطفل صريح على ميزة صوت فيروز الكبرى. لا أظن أن أي مشهد سينمائي مهما كان مخرجه عبقري بإمكانه أن يصوّر “خصلة فَيّ” لا يمكن سوى لصوت فيروز مع خيالك أن يفعل ذلك.

أثناء اجتماعات العمل في البورتميليو كانت ترشيحات الزائرين لأماكن ذهبوا إليها هي كل حديث جانبي خلال أوقات الغدا أو الراحة أو حتى في أوقات تلك الاجتماعات، أغلبها كان في النصف الشمالي والأوسط من لبنان وغالب ذلك الأغلب لأماكن وقرى في الجبل. كانت الأسماء وحدها تثير النشوة ولا تمر دون أن تتحول لرغبة في زيارة مكان يحمل مثل هذا الاسم. كيف لعاقل أن يتجاهل الرغبة في زيارة مكان اسمه تنورين أو ريفون ؟

في الليالي الأولى ، كنت أذهب إلى بيروت وتحديداً للحمرا مع سائق يستدعيه موظف الفندق عند الطلب، ومع كل سائق كنت اتخذ أقصى ما بإمكاني من حيطة كي لا أبدوا متطفلاً في الحديث وفي ذات الوقت أحاول استدراج أي حديث معه أو أي جملة عابرة لتذهب نحو الحرب الأهلية. كان احتيالاً فاشلاً أكثر من كونه معقد ، لم أنجح حتى في سؤالهم عن تلك الصورة التي يضعونها في أماكن متفرقة من سياراتهم وبأحجام مختلفة دون أن أبدوا فضولياً. صورة لوجه رجل ملتحٍ وعيناه شبه مغمضة، يتوسط هالة ضوء. حدث ذلك معهم جمعياً ، حتى التقيت كمال، قدم نفسه لي كأستاذ تاريخ ويعمل في هذه المهنة كعمل إضافي. أول ما خطر في بالي حينها أنه لايمكن أن تحب دون أن يعني ذلك شيئاً لما تحبه. كان مار شربل هو درس التاريخ الأول الذي أعطاني إياه. كمال في الأربعين من عمره، مسيحي ماروني من جبيل وعاش الكثير من تفاصيل الحرب ، حكى لي الكثير مما لا يهم سماعه كون أغلبه تحليلات أو أحداث شخصية، لكنه حدثني عن الصفرا كما يفعل أستاذ تاريخ.

ما بين زيارة ما لايمكن تفويته في شمال الجبل من مزارات وأماكن نهاراً والتردد على بيروت في الليل انقضى أسبوعان منذ أتيت.

في ذلك العام تحديداً كانت أسواق بيروت في أوج زهوها.حين تقارنها في ذلك الوقت بحالها بعد عشر سنوات سيبدوا الأمر وكأنها كانت خديعة، لا شك أن الاهتمام بالحمرا والانجذاب لها قد تأثر بشكلٍ ما، خاصةً حين بدأت المقاهي في منطقة الجميزة القريبة من أسواق بيروت تزداد وتزدحم بالزوار وبالبيروتيين، لكن كل ذلك كان خديعة.

دائماً كنت أتحايل على هدوء كمال وشخصيته الرزينة الحزينة وعلى سكوته الطويل بذكر إستاذ التاريخ في أغنية “ع بيروت” لمارسيل خليفة. حتى أن هذا السكوت يناسبه وصف زياد بالمدروس والمتعوب عليه، أتذكر أنه كان ساكتاً طوال المسافة من جبيل إلى إهدن، وحين سألته، ليه ساكت؟ قال، تاركك تتأمل.

اليوم أنا أعني “ع بيروت” مغادراً جونية ثم ساكناً في الحمرا لأسبوع.

أثناء بحثنا عن فندق قال ما يفيد استغرابه من عدم اختياري للسكن في الروشة وحتى من أنني اخترت الحمرا تحديداً. لم نبحث طويلاً نزلت في الكازا دور ولم ألتق بعدها بكمال.

الحمرا كانت أكثر ما يتردد في المقالات الفنية والثقافية التي قرأتها عن بيروت خلال السنوات الماضية لكني لم أسمع عن حريق البيكاديللي قبل أشهر إلا حين قصدته للمرة الأولى في تلك الزيارة وحتى تلك الزيارة لم يكن قصر البيكاديللي يشكل ما يستحق من أهمية في ذلك المحيط الهائل من الاهتمام ببيروت والحمرا على وجه الخصوص.

بعد ليلة رطبة انقضت داخل حانات مكيفة، لم أستطع فيها النوم تدشيناً لما استمر للأبد كلما كنت في بيروت. ربما أدركت حينها أن السبب هو يقظة طاغية في الذهن بسبب هذا الولع الغير مفهوم وحتى حينها الغير مبرر. لا أستطيع النوم في بيروت لا أستطيع الإفلات من اليقظة والحماس وأنا فيها.

في صباح اليوم التالي كان كل شيء جميل ومختلف وبنكهة ضلت تزداد حلاوة لسنين قادمة مع كل صباح في هذا المكان. هذه الهضبة المرتفعة قليلاً عن البحر غرباً يغمرها الشروق من خلف جبل لبنان تدريجياً بما يشبه موسيقى ضوء أرادت لها الطبيعة أن ترافق صوت فيروز مع كل طلعة شمس.

على بعد خطوات من الكازا دور وفي ساعات ذلك الصباح الأولى لمحت بوستر ألبوم “هدوء نسبي” لزياد الرحباني من خلف زجاج دكان صغير في شارع مقدسي وفي بقعة قريبة جداً من مفرق الأوتيل. دخلته وفي خاطري أن أسأل هل بقي هذا البوستر منذ صدور الألبوم قبل عشر سنوات؟ لكني لم أفعل ولم اتحدث حتى مع صاحب المحل سوى بعبارات تقليدية، برغم أن سؤالاً أكثر إلحاحاً له علاقة بزياد منعني الخجل من أن أسأله ، كيف هي مبيعات ألبوم “ولا كيف” ؟ رأيت له أغلفة كثيرة لنسخ كاسيت وأسطوانات على الرف أكثر من أي شيء آخر في المحل،لم أسأل ولم أفكر سوى بزياد، “هدوء نسبي” كان من بين كاسيتات وصلتنا في نفس توقيت “كيفك” انت ولم اسمعه كاملاً ولا لمرة واحدة حينها. قبل أن أعود إلى هذا المحل الصغير بعد ست سنوات سيكون كل شيء التقى بزياد، فيروز، الحرب الأهلية، المقاومة، الشغف، بيروت، حتى بجيل شربل روحانا الذي أخذت له من ذات المكان والزمان ألبوم “مدى”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: