القبلة الأولى

للقبلة الأولى طعم الولادة، طعم البدايات، للقبلة الأولى نكهة الفتح ولمَ لا ؟ الفتح العظيم

لا أدري كيف جثوت على ركبتي وقبّلتُ “بروحيَّ تلك الأرض” وليس لدي أي تفسير لطغيان تفاصيل تلك اللحظة على أي مشهد آخر تحتفظ به ذاكرتي .. وبطبيعة الحال لا أعلم كيفَ اخترت دمشق قِبلةً للقُبلةِ الأولى.

ليست قُبلة أولى إذا انتظرتها ، وليست قبلة أولى إذا سبق لحظة اقتناصها نوايا مُسبقة أو حتى إدراك أن لهذه اللحظة الكونية وجود أصلاً.

حين تحدُث، هي فقط من يحدد شكلها ونكهتها ومدى حياتها القصير حتى تتحول إلى نشوة أبدية تُغير كل شيء. كانت تعلّمني كيف تكون القُبلة وكيف ستكون الحبيبة بعدها.ألم أذكر إني اشتريت ( مجموعة نزار الشعرية ) في رحلة سابقة إلى دمشق؟ كان من الضروري أن أذكر ذلك. وضعته في حقيبة الملابس فوق كل اختباء وقررت التبجح.

كانت رحلة العودة من دمشق برّاً مضنية وطويلة بطبيعتها. في منفذ الحديثة الحدودي كان الزوار ( القادمون من زيارة حي السيدة زينب ، ومجازاً كنتُ من بينهم ) يضعون كل الحقائب على مصطبة تعادل طول حافلة ركاب أو أطول، ثم يفتحون أفواه حقائبهم في انتظار استجواب موظف الجمرك. انتظار قد يمتد ليوم كامل حتى يأتي الدور على مصطبة حقيبتك. يفرز الموظف أحشاء الحقائب ، والكُتب تُصادر.

كان نزار قباني يجمع بين الفكر الضال والشرك البيّن وقلة الحياء. يعرفه كل موظفي الجمارك ، مرَّ أحدهم على حقيبتي ومرَّ نزار من منفذ الحديثة الحدودي كما يفعل دائماً في مروره الباذخ والساحر إلى القلب وإلى الروح وإلى كل خلية في الجسد. هكذا دون أي تفسير للأمر.

كانت النسخة التي أهدتني إياها أختي قد ذابت بالمعنى الحرفي والفيزيائي للكلمة ،لست أنا من يتخلص ببساطة من كراكيبه لكن مع مجموعة نزار الشعرية القادمة إليّ من البحرين برفقة أختي ؟ كان الاحتفاظ بأشلائها مستحيل.

“ما للدمشقية الكانت حبيبتنا … لا تذكرُ الآن طعمَ القبلة الأولى ؟”

هذا البيت من قصيدة ( موال دمشقي ) لا اذكر من أي مصدر قرأتها في ذلك الوقت ، ليست ضمن أجزاء المجموعة الشعرية الكاملة لنزار ، ربما من مجلة أو ماشابه.

كان لها مذاق غاية في اللذة، أعيد كتابتها كلما اشتهيت وأغير في كلماتها. وإن لم تراوغني ذاكرتي ، فقد نسبتُ بعض أبياتها لنفسي.

لم أعرف حينها أبداً أن فيروز غنتها. ففي ذلك الوقت كانت تصلنا فقط الأغاني الشائعة المسجلة على كاسيت إلى أن أتى زمن اليوتيوب فصار “يفتحُ معلوماً ومجهولا “حدث ذلك قبل عدة سنوات فقط. لم أصدق ! وبما أني لم أصدق ، لم أتفاجأ .. سمعتها بصوت فيروز ومر وقت ليس بقصير من حالة الإنكار.

هذه القصيدة تبدأ بأسوء مطلع حسب مقاييسي النقدية الخاصة ، لطالما كان هذا رأيّ ولا يزال في حال جُرِّدت من الصوت الأعجوبة ، من صوت فيروز. لا شي جميل على الإطلاق في مطلع قصيدة يبدأ بالقدقدة وينتهي على مافيش. بصوت فيروز الأمر اختلف. صوت هذهِ السيدة يعبث بكل الثوابت. حتى جودة التسجيل _إن لم يتعلق بالسرعة_ لا يهم ولا يُنقص شيء من إحساس صوتها، لا يُلتفت لمقاييس خاصة حين يُشرق عالمها صباحاً.

بالمناسبة! كم الذين أعادوا المُخاطَب إلى فيروز ذاتها، حين غنّت لدمشق “فمنك ينهمرُ الصباحُ” ؟

كانت تُغني لدمشق العظيمة ، لدمشق الدنيا ، لدمشق القيامة لكن باعتبارها هي. وهذا أعظم إحترام لمن تُحب ، ألّا يُعرف أحدكما من الآخر. أو أن تتحولا لمعنى واحد، على الأقل في أذهان كل الذين سيجيبون بأنا على سؤال…

كم الذين أعادوا المُخاطَب إلى فيروز ذاتها، حين غنّت لدمشق “فمنك ينهمرُ الصباحُ” ؟

⁃ من أين َ ينهمرُ الصباح؟

⁃ بصحبة من تقضي دمشق صباحها؟

أو هل معقول إن فيروز “ما بتعرف إنها حلوة” ؟

هي لا تتحد مع المعنى ، هي تتحد مع الفهم وليأتي المعنى بأي شكلٍ كان.

وهي تغني “لا تذكر الآن طعم القبلة الأولى” .. كأنما نحيبٌ يستفز فيك كل مايساعد على الوصول إلى هذا الحد من الحسرة، بما في ذلك بالطبع ما قد جربت، “وأنا ماعندي تجربةٌ” ولم تساعد تلك العرافة على توضيح ما بقيت طويلاً أحاول فهمه..

من تلك التي كان لقبلتها طعماً لا يمكن أن يُنسى ؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: