عون راجع

مارس 23, 2019

يناير ١٩٩٤ /

سأجد الصورة ، لكن الصورة المُختبئة داخل صفحات كتاب لا تظهر إلا إن أرادت هي الظهور.. لا تظهر إلا حنيناً لضوئها الأول.

صادَفَتني الصورة قبل أشهر مكتوب خلفها .. بير العبد – بناية شعبان، الضاحية يناير ١٩٩٤، المكان الذي قضينا فيه ليلة عاصفة أنا وصديقي الذي أخذني من مواقف الجامعة إلى محطة الباص ثم إلى بيت أم عماد في إحدى حواري السيدة زينب بريف دمشق. محمولاً مكفولاً حتى بإكرامية موظفي الجمارك.

كانت دمشق تعيش حدادها على باسل الأسد الذي وصل نبأ مقتله ونحن في معبر درعا الحدودي، وكان ذلك سبباً كافياً لاختيار عدم الاستعجال في العودة إلى دمشق بعد أن قضينا أنا وصديقي ليلتين أو ثلاث فيها قبل الذهاب دون ترتيب مسبق إلى بيروت.

وربما كان للعاصفة التي لم تهدأ قبل منتصف الليل نصيب من هذا الاختيار.

صباح اليوم الأول كان شيعي بامتياز حتى قبل ذلك بقليل، منذ أذّن الفجر.

جرافيتي وحيد على جدار أحد الأبنية لم يكن منسجم مع كل ما حوله من لافتات وعبارات كربلائية على مد الإنتباه من بير العبد إلى الأوزاعي ” عون راجع ”

بالتأكيد كان اسم عون يتردد على مسمعي ربما في نشرات أخبار الإذاعة أو ما شابه ، و”ما شابه” هذا لا أعرفه بالضبط، لكن إلا ما يكون سمعت بـ عون المقصود بهذي العبارة ، لكن المعنى كما هو، ضَل مُلتسباً، فالجملة توحي وسط كل هذه الكربلائيات أنها جملة فعلية مفادها الدعم أو شيء من هذا القبيل..

لم أتذكر حينها جون شهيد كربلاء، الفتى المسيحي الذي اختار طوعاً الشهادة تحت راية الحسين في موقعة كربلاء الشهيرة حسب الروايات،

لم أتذكره لأني أساساً لم أدرك أن عون هذا اسم. ومثل هذا الالتباس تكرر في غير صالحي بعد ذلك بعدة سنوات وفي سياقٍ بعيد جداً. حدث ذلك حين سألت بائع في ( ميجا ستار ) ، هل يوجد أي ألبوم لشربل روحانا ؟ فأجاب ، إزاي يعني شربل روحانا ؟ وهذا ما لن يُهمل دون العودة إليه مُفصلاً في هذه التدوينات.

لم يستشهد جون المسيحي على يد الحسين لا طمعاً في دنيا ولا حتى آخرة حسب ما يروق لي أن أصدِّق وأروِّج دائماً، لكن جون تربى على يد أبي ذَر الغفاري اليساري الشهير والمؤسس الأبرز لمباديء العدل والمساواة والعيش المشترك في الرعيل المبكر جداً من رموز وشخصيات الإسلام، وأبو ذَر هذا كان قد نفاه معاوية إلى جبل عامل جنوب جبل لبنان وستجد دائماً مؤرخ أو باحث ينسب إليه الفضل في تثبيت التشيع واتخاذه الهوية الإثني عشرية بعد تهجير الشيعة الموزعين من شمال الجبل إلى جنوبه في أكثر من محاولة إبادة جماعية على يد أكثر من “جزار”

بعد عقدين من الزمن عون رجع. وما جعلني استحضر هذه الخبيصة اللبنانية من الأحداث والأسماء أن هناك من ربطوا فعلاً بين جون المسيحي و عون المسيحي غداةَ توقيع التفاهم المعروف بين الجنرال كطرف والسيد كطرف آخر ، ليس لأن حرفاً من جملة مكتوبة على جدار بناية قديمة قد التبس عليهم أو حتى ذكّرهم بآخر . ولا ليقولوا أن هذا الطرف هو جون العصر لكن ليقولوا أن الطرف الآخر هو حسين هذا العصر.

كان من الطبيعي جداً المرور على معالم بيروت الشهيرة قبل العودة إلى دمشق، كنّا قد مشينا بالسيارة من بير العبد لبير حسن ثم إلى برج البراجنة حيث مرقد الإمام الأوزاعي ولك أن تتخيل أن يكون ذلك أول ماتراه في بيروت ثم يكون بداية النصف الثاني من اليوم في الحمرا ! لكن لحظة أقصد الحمرا اليوم، في ذلك الوقت كانت مختفية، غطى كل بيروت غيمة شديدة من السواد ، حتى كأن الليل قد أتى قبل موعده بثلاث ساعات.. الصقيع كان حاضراً كذلك. وتهديد الغيمة السوداء بصوت الرعد حيناً والصواعق حيناً آخر أنَّ لا حمرا اليوم. اشتريت سكارف صوف من أحد المحلات القليلة المفتوحة ولم يلفت أي شيء آخر نظري أو يثير انتباهي وكأن الحمرا قد وجدت أن الوقت لا يناسبها للقاء حبيبها الجديد، غادرنا سريعاً نزولاً باتجاه الروشة.

كان الضوء قد بدأ يعود تدريجياً وسمح ذلك بإعادة ضبط مشهد الصخرة الشهيرة بألوان كانون الطبيعية.

ما قبل ظهر ذلك اليوم لم يكن أبداً كما بعده.

في الضاحية كان لو طُلب منك اختراع كلمة تصف بها الزحام الشديد فيها، غالباً ستكون “عجئة” حتى لو لم تسمع بهذه الكلمة من قبل. أما عجّ فهي معروفة ، عجّ المكان أي امتلأ وعجّ الطريق أي اختنق بالمارة .. أما الجزء الآخر من الكلمة سواء نُطقت بالقاف أو الهمزة فهي تعادل التأفف الناتج عن السأم الشديد. ، إذن سأختار “عجئة” ، في المقابل لن أختار “رواق” لما كان الحال عليه في الروشة ، كان أشبه بالوحَشة. تقريباً لا أحد ، لا أحد ع الكورنيش ولا أحد في المطعم ذي الإطلالة الساحرة على صخرة الروشة.

قلت لعماد ، تصور ، كنت اذا تردد اسم الضاحية في نشرات الأخبار بالذات بعد اغتيال عباس الموسوي أحسبها قريبة من فلسطين في جنوب لبنان ، وواضح ان هذا الالتباس بسبب اقتران اسم الضاحية بموقعها في جنوب بيروت ، فتسمّى دائماً الضاحية الجنوبية !

كان رد عماد بعيد جداً عن حديثي قال : لكن لاحظت العجئة فيها ؟

لديه كل الحق ، في الطريق من بير العبد إلى برج البراجنة توقفت السيارة في مكان ما لوقت يبدوا أنه كان طويل جداً لدرجة أنه تسبب إلى عماد وإلى رفيقي بضجر بدا واضحاً ، أما أنا، فلا تلك المرة ولا غيرها اكترثت من عجئة بيروت وتحديداً حينها.

توقفت السيارة على مفرق من ثلاث شوارع، هناك التقطَ رفيقي الصورة التي آلت إلى مخبئها السري بين صفحات كتاب، وهناك تحديداً رأيتُ بيروت البنت.

من مقعدي الخلفي في السيارة وعلى بعد رصيف كانت تقف تلك البنت أمام دكان صغير له باب خشبي، أُسندت درفتاه على جدار بناية من دور واحد وقد امتلأت إحدى الدرفتين بصور مطربين وموسيقيين كان من بينهم صورة صغيرة لفريد الأطرش وزياد رحباني وصورة أخرى ضخمة لفريد على الدرفة الخشبية الأخرى.

جينز وتي شيرت أبيض قصير، بينهما خصر عاري أو حزام من الجلد الإلهي الخالص .. جلدٌ دبغه التاريخ خليطاً من جينات لا حصر لها ، ويا سبحان من جمعها في خصر .. فينيقي على آشوري على فرعوني، رومي و عربي و عثماني وفارسي.

مع الحركة البطيئة للسيارة كانت زوايا الرؤية تتغير والمسافة تبعد، وبصري مشدود نحوها حتى اختفت.

في الروشة تمنيت لو بإمكاني أن أصمت للأبد، وكنت أبدو فعلاً كمن بدأ محاولة تحقيق أمنيته.

على الطاولة البريمو في شرفة ذلك المطعم الداخلية ، أو الشتوية ان صح الوصف .. جلست أنا ورفيقي علي، وعماد أمامنا. طلبت من عماد مفتاح سيارته ثم ذهبت للسيارة الوحيدة الواقفة أمام مدخل المطعم تماماً في مكان لا أظن أنه موقف لسيارة.. عموماً قبل الوصول للسيارة لآخذ منها علبة “البانادول” باغتتني وبدون أي مقدمات عرّافة صغيرة في العمر، أو على الأقل أصغر من أن توحي بأنها ذات خبرة وتجربة في التبصير. لا أعلم كيف ظهرت عرافة في هذا المكان الخاوِ تماماً من الناس وفي هذا الصقيع . تلت عليّ العبارة التسويقية الخاصة بها وكانت ذات سجع رقيق ولهجة مليئة بالخفة والطلاقة، تفاجئت لدرجة إني بقيت صامتاً وهي تسرد علي قائمة الخدمات التي بالإمكان تقديمها لي حتى وصلت إلى “ورح قلك إسما”، والحديث عن حبيبتي ! كنت في التاسعة عشر من عمري وحبيباتي أكثر من عدد البنات اللاتي رأيتهن في حياتي وأغلبهن ليس لهن “إسمٌ أو وطنٌ أو عنوان” فلربما ساعدتني هَذِهِ العرافة المبتدئة بمعرفة ما لا أعرفه أنا أصلاً. لم أقاوم فضولي ولم أمد عليها ورقة العشرين دولار الوحيدة في جيبي قبل أن آخذ منها عهداً أن تعيد لي الورقة في حال لم تفِ بوعدها.

أخذَت العشرين دولار من يدي وراحت تتمتم بعبارات غير مفهومة وعلى ذات السجع حتى تبينت لي الخديعة المتوقعة.

طلبت منها أن تكف وأن تعيد لي الورقة، لكنها لم تفعل ووعدتني أن ما أريده سأحصل عليه بشرط إعطائها مبلغ إضافي.

أنا شخص خجول جداً ، لا أملك شيء من الجرأة وذكائي محدود وأخاف دائماً من الصراع مع أي كان، لكني في تلك اللحظة كنت على استعداد لفعل أي شيء كي لا ينتهي الأمر بهكذا خديعة. خاصةً أنها كانت في غاية الشراسة وهي تقبض على ورقة العشرين دولار وتقاوم محاولتي استرجاعها بما هو متاح من قوة.

قلت لها عبارة توحي أن بإمكاني إلحاق ضرر بها سيجعلها لا تنساني أبداً وتندم كثيراً إذا لم تعد لي ورقة العشرين دولار. وانتهى كل شيء، بكل بهدوء ، وضعت الورقة في يدي وكُسرت العرافة الصغيرة حدَّ الشفقة.

هكذا، سهمت وحملتها خطوات خائفة دون أن أتتبع أين توارت..

لم يكن أمامي خيار آخر ، فهمت طبعاً بعد حين أن بيروت في ذلك الوقت كان كل شيء فيها قابل للتصديق، لأن الجنون الذي عاث خراباً بها لم يهدأ سوى قبل أشهر.

ساعدني أيضاً انني لم أحدد لها من يمكن أن أكون ويبدوا أن المناخ الأمني تكفل في إيصال خيالها إلى أبعد حتى مما توقعت.

مزهوّاً “أعود .. أعود ، أعود لطاولتي” ومعي ورقة العشرين دولار وأنا أُغنّي “قد تغدو امرأة يا ولدي يهواها القلب هي الدنيا” تلك الفتاة الصغيرة الخائفة النحيلة المهزومة المزيونة، بدَدَتْ وحشة المكان وعدت لأتمنى وأنا أنظر للمتوسط أن أصمت للأبد.

صورة أخرى اختفت تماماً ولا أمل لي أني أجدها لا في كتاب ولا في أي مكان آخر التقطها رفيقي لي ، ساجداً أقبّل موطأ القدم الأخير في بيروت ع الروشة قبل العودة إلى دمشق.

لا أدري كيف ولمَ فعلت ذلك، فلم تكن بيروت حتى تلك السجدة تعني لي أكثر من بنيّة جميلة ومعلومة وردت في فصل دراسي وعبارة من كلمتين على جدار بناية قديمة خلفها تختبيء حكاية طويلة ومعقدة لم أكن قد خمّنت مجرد تخمين ماهي “عون راجع “

ويلي ..

فبراير 14, 2019

ويلي ..

طبعاً ليس لدرجة “التشبيح” لصوته ، لكن هكذا موسيقى تحتال على كل المقاييس.. تفعل ذلك دون حياء ولا تسمح لوهلة بالإفلات، حتى مالايناسب المزاج يصبح هو مزاجاً

الفكرة في الكل ، في دقة المزج بين كل مافي هذا الكل لحد لايمكن فيه التقشير.

أهو دا اللي صار

يناير 19, 2019

القدّيس

مش بس أعرفك من ورى عزفك على آلة العود
لكن أعرف كذلك أن هذا العزف ينتظرني في وقت محدد وفي مكان محدد .. دون تنويه أو سابق إخبار.
كيف ؟ لا أدري .. أهو دا اللي صار ..

مصر يا أم الحبايب .. شعبك أصيل ، والخصم عايب
خلي بالك من القرايب .. دول أنصار القضية ….اسمعوها بليز :)

الجزء الخاص بشربل روحانا ، من محطات موسيقية ” الجزيرة الوثائقية ” لبنان الجزء الثاني ..
شربل روحانا في الحمرا وفي البلو نوت كافيه

View original post

ناي..

يناير 19, 2019

القدّيس

ناي ، هذا أسهل وأنسب عنوان أو اسم اختاره في حياتي !

ناي البرعوثي ( في حضورها براءة يجعل عدم الاستماع إليها إثماً * ) مع شربل روحانا وفرقته

علامة فارقة / من برنامج بيت القصيد – قناة الميادين

ناي يعزف جاز !

إفرح ياقلبي …

View original post

على صوت العود

يناير 19, 2019

القدّيس

ليلي العينين السود بيضلو يبكوني
غزلوني على صوت العود، غنيّة …. وغنوني

View original post